سِيَاسِيُّونَا الجَهَابِذَة

سِيَاسِيُّونَا الجَهَابِذَة
لم: عزالدين شملال
الجمعة 9 أبريل 2021

يُعَدُّ ميكافيلي صاحبَ بصمةٍ وفلسفةٍ مُهِمّةٍ في تاريخ السياسة، حيث وضع مجموعة من القوانين التي تصنع السياسي الناجح – من وجهة نظره – وهو صاحب المقولة المشهورة (الغاية تبرر الوسيلة)، التي تبرر للإنسان أي فعل للحصول على ما يريده، ففي كتابه “الأمير” يبسط ميكيافيلي مجموعة من الأفكار السياسية التي يصنفها البعض بأنها أفكارا واقعية بينما يعتبرها البعض الآخر أفكارا انتهازية، وخاصة دعوته لفصل السياسة عن الأخلاق، هذه الأفكار حَوّلَت اسم المفكر الإيطالي إلى صفة يوصف بها الانتهازيون والأنانيون ومن يُوَظِّفُون جميع الوسائل مهما كانت درجة مشروعيتها لتحقيق أهدافهم وغاياتهم.

وفي اعتقادي المتواضع لو كُتِبَتْ الحياة لميكيافيلي إلى عصرنا الحالي لَعَجَزَ عن وصف سياسِيِّينا العرب، ولَفَشِلَتْ نظريته السياسية في تكوين السياسي الناجح فشلاً لا يضاهيه أي فشل.
فسياسيونا الجهابذة كي يحافظوا على مواقعهم أبدعوا وأتقنوا فن الكذب والنفاق، واللعب على كل الحبال، والتلون بكل الألوان، ضاربين الأخلاق وميكيافيلي عرض الحائط، فتراه يَتَلَوَّنُ في الانتماءات كما تَتَلَوَّنُ الحِرْبَاء، لا يؤمن بالولاء ولا بالمواقف ولا بالمبادئ، يَفْتِلُ في حبل أرصدته البنكية ومصالحه الشخصية غَيْرَ آبِهٍ بمصالح العباد ولا نكباتِ وأزماتِ الناس.

والطَّامَّةُ الكبرى التي أصبحنا نعاني منها اليوم -إضافة إلى كذب السياسيين ونفاقهم -هو فساد من يزعمون الدفاع عن حقوق العمال ومكتسبات الأجراء، حيث يَعْمَدُونَ عن طريق الضّغْط والتهديد بالإضرابات إلى تحقيق مآربهم الشخصية، حتى أصبح أغلبهم يُصَنَّفُ ضِمْنَ خَانَةِ الغِنَى الفاحِشْ، وذلك كله على حساب شريحة واسعة من العمال البُسطاء والفقراء المحرومين.

بطبيعة الحال لا أتحدث هنا عن السياسيين الفضلاء والنقابيين النزهاء، أصحاب المبادئ والمواقف الثابتة الذين خالطنا بعضهم ونعرف مَعْدِنَهُمْ وحِرْصَهُم على قضاء حوائج الناس، وإنما الحديث عن عديمي الضمير الذين يتاجرون في مآسي الناس وآلامهم، ومستعدون لتغيير جلدهم وانتمائهم بمجرد انتفاء مصلحتهم وتَوَقُّفِ اسْتِفَادَتِهم، وهؤلاء موجودون بكثرة في أجهزتنا الحزبية وإطاراتنا النقابية وإداراتنا العمومية يُغَيِّرُونَ ألوانهم الحزبية وانتماءاتهم النقابية كما يُغَيِّرُونَ ملابسهم اليومية، وهؤلاء هُمْ من جَعل عُمُومَ المُواطنين يَعْزُفُونَ عن المشاركة، ليس في الانتخابات فقط بل في أي شيء مصبوغ بالسياسة أو النقابة.

فلا تَنْتَظِر مِمَّنْ غَيَّرَ جِلْدَهُ بعد طُول انتماء، باحثا عن فُتَاتٍ هنا أو هناك، رافضا التّغْيِير والتصْحِيح، أن يَنْزِعَ حَقّاً من الحُقُوق أو أن يُغَيِّرَ وضْعاً من الأوضاع.
فتحية عالية للفُضَلاءِ السِّياسِيِّينَ والنُّزَهَاءِ النَّقابِيِّينَ والشُّرَفَاءِ الإدَارِيِّينَ المُقَاوِمِينَ لِمُسْتَنْقَعِ الفساد والانتهازيين..